أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

108

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

قيام لها إلا به ولا ظهور لها إلا منه ، وسيأتي له في المناجاة : إلهي كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك ؟ أيكون لغيرك ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك ؟ متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ، ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك ؟ ، واللّه تعالى أعلم . ولما كان المستدلون باللّه قد وسع اللّه عليهم دائرة العلوم ، وفتحت لهم مخازن الفهوم ، بخلاف المستدلين عليه قد قتر اللّه عليهم أرزاق العلم ، بوجود حجاب الوهم أشار إلى ذلك بقوله : 30 - لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ : الواصلون إليه ، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ : السائرون إليه . السعة : هي الغنى ، وقدر عليه : ضيق عليه . قلت : أما الواصلون إليه فلأنهم لما نفذت أرواحهم من ضيق الأكوان إلى فضاء الشهود والعيان ، أو تقول : لما عرجت أرواحهم من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح ، أو من عالم الملك إلى عالم الملكوت اتسعت عليها دائرة أرزاق العلوم ، وفتحت لها مخازن الفهوم ، فأنفقوا من سعة غناهم جواهر العلم المكنون ، ومن مخازن كنوزهم يواقيت السر المصون ، فاتسع لهم ميدان المجال وركبوا أجياد البلاغة وفصاحة المقال ، فما أسرع الغنى لمن واجهته منهم العناية ، وما أعظم فتح من لحظته منهم الرعاية ، إن للّه رجالا من نظر إليهم سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا ، وهم أهل السر والحال ، وأما السائرون إلى اللّه فلأنهم باقون في ضيق الأكوان ، وفي عالم الأشباح مسجونون في سجن الوهم لم يفتح لهم شيء من مخازن الفهم مشغولون بجهاد نفوسهم ومعاناة تصفية قلوبهم مضيق عليهم في العلوم ومقتر عليهم في سائر الفهوم ، فإن جدّوا في السير وصلوا ، وانتقلوا من ضيق الأكوان ورحلوا ، وتبختروا في رياض العلوم ورفلوا فظفروا بما أملوا واستغنوا بعدها إن ملّوا ، وإن رجعوا من الطريق أو قصروا فقد خابوا وخسروا . تنبيه : إن أردت أن يتسع عليك علم الأذواق ، فاقطع عنك مادة